عبد الملك الجويني
273
نهاية المطلب في دراية المذهب
جنسَ الشعر ، ثم لم يطرد هذا المذهبَ الفاسدَ ، فلم يوجب فديةً كاملة ، واكتفى بإيجاب صدقةٍ . 2607 - فأما الحلال إذا حلق شعر الحرام ، فإن كان بأمرٍ منه ، فالضمان وجوباً ، وقراراً على المحرم ، المحلوقِ ، ولا شك أن الحلال يعصي بالإقدام على حلقه ، ولا يقصُر فعله عن الإعانة على معصية . ولو حلق الحلال رأسَ المحرم ، والمحرم مكرَهٌ ، أو نائمٌ ، أو مجنون ، فالفدية تجب . وقد اضطربت مسالك الأئمة ، ونحن نذكر ترتيباً يجمعها ، فنقول : في المسألة قولان : أحدهما - أنها تجب على الحلال ، ولا يلقى الوجوبُ المحرِمَ . والقول الثاني - أن الوجوب يلقى المحرمَ ، وعلى الحلال التحمّلُ عنه . ولم تختلف الأئمة في إيجاب الفدية ، وإن لم يكن الحالق محرماً . وأقربُ مسلكٍ في هذا تشبيهُ شعر المحرم في حق الحلال بصيدِ الحرم ، وشجره . ثم إن قلنا : الوجوب لا يلقى المحرم ، وإنما ابتداؤه ، وقراره ، على المُحل ، فقد وجدتُ الطرق متفقةً على هذا القول في أن المحرمَ يطالِب المحلَّ بإخراج الفدية ، وهذا مشكلٌ في المعنى ، والتعويلُ على النقل . وإن قلنا : الوجوب على الحلال ، فيصوم أو يطعم ، أو ينسك بالدم ، والخِيَرةُ إليه . وإن قلنا : يتحمل ، فلا يتصور أن يصوم ، فإن الصوم لا يدخله التحمل . ثم في ذلك وقفةٌ عندي ؛ فإنه لا يمكننا أن نلزم المحرمَ أن يصوم ، والكفارة على التخيير ، ويبعد أن يعيّن الدمُ ، والطعام ، في حق الحلال . والوجه أن نقول : إن صام المحرم برئ الحلال عن العهدة ، وإن أطعم ، رجع به على الحلال . وما ذكرناه من الملاقاة ، والتحمل في ذلك ، ليس على قياس ما ذكرناه في كفارة الوقاع في رمضان ؛ فإن ذلك تقديرٌ محض ، ولا تراجع ، والأمر هاهنا بخلاف ذلك ؛ فإن الحالق الحلال ليس خائضاً في إحرام .